عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

295

اللباب في علوم الكتاب

أحدهما : نفي تلك الذّات بقيدها . والثاني : نفي القيد فقط دون نفي الذّات . فإن قلت « ما رأيت زيدا ضاحكا » ، فيجوز أنك لم تر زيدا ألبتّة ، ويجوز أنك رأيته من غير ضحك ، فكذا هاهنا ، إذ التقدير : وما نرى معكم شفعاءكم مصاحبيكم ، يجوز أن لم يروا الشفعاء ألبتّة ، ويجوز أن يروهم دون مصاحبتهم لهم ، فمن أين يلزم أنهم يكونون معهم ، ولا يرونهم من هذا التركيب ، وقد تقدم تحقيق هذه القاعدة في أوائل سورة « البقرة » « 1 » في قوله : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 273 ] . و « أنهم » سد مسدّ المفعولين ل « زعم » و « فيكم » متعلق بنفس شركاء ، والمعنى : الذين زعمتم أنهم شركاء اللّه فيكم ، أي في عبادتكم ، أو في خلقكم ، لأنكم أشركتموهم مع اللّه - تعالى - في عبادتكم وخلقكم . وقيل « في » بمعنى « عند » ، ولا حاجة إليه . وقيل : المعنى أنهم يتحملون عنكم نصيبا من العذاب ، أي : شركاء في عذابكم إن كنتم تعتقدون فيهم أنكم إذا أصابتكم نائبة شاركوكم فيها . فصل في معنى الآية معنى الآية الكريمة : جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ : حفاة عراة ، وخلّفتم ما أعطيناكم من الأموال والأولاد والخدم خلف ظهوركم في الدنيا ، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ، وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام ؛ لأنهم شركاء اللّه ، وشفعاؤهم عنده ، والمراد من الآية التّقريع والتوبيخ ، وذلك لأنهم صرفوا جدّهم وجهدهم إلى تحصيل المال والجاه ، وعبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها شفعاؤهم عند اللّه تبارك وتعالى ، ثم أنهم لما وردوا محفل القيامة لم يبق لهم من تلك الأموال شيء ، ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة فبقوا فرادى على كل ما حصّلوه في الدنيا ، وعوّلوا عليه ، بخلاف أهل الإيمان ، فإنهم صرفوا همّهم إلى الأعمال الصالحة ، فبقيت معهم في قبورهم ، وحضرت معهم في محفل القيامة ، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى . قوله « لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ » . قرأ نافع ، والكسائي « 2 » ، وعاصم في رواية حفص عنه « بينكم » نصبا ، والباقون « 3 » « بينكم » رفعا .

--> ( 1 ) الآية 273 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 126 ، البحر المحيط 4 / 186 ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 22 - 23 ، الحجة لأبي زرعة 261 - 262 ، السبعة 263 ، النشر 2 / 260 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 126 ، البحر المحيط 4 / 186 ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 22 - 23 ، الحجة لأبي زرعة 261 - 262 ، السبعة 263 ، النشر 2 / 260 ، التبيان 1 / 522 ، الزجاج 2 / 300 ، الفراء 1 / 345 ، المشكل 1 / 262 - 263 ، المستدرك 2 / 238 الحجة 263 .